(حفيد البي بي سي) لميسلون هادي: حياة عراقية حافلة

المقاله تحت باب  مقالات و حوارات
في 
06/09/2011 06:00 AM
GMT



لا تكتفي رواية ميسلون هادي (حفيد البي بي سي)، الصادرة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر 2011، بتدوين الحدث العراقي والتقاط العديد من تفصيلاته لما يقارب القرن من الزمان، ولا تنشغل بطبيعة العلاقات الإنسانية في تعقيدها وتشابكها، ولا تعمد لإضاءة المكان والإنصات لأنفاسه في سنواته الذهبية فحسب، بل تسعى لتدوين لحظات الفتنة ورعشات الفرح والدهشة والجمال وقد عاشتها الروح كما تعيش حلماً واسع الأفق دقيق التفاصيل، منذ العقود الأولى من القرن العشرين التي صاغت، إلى حد بعيد، طبيعة الحياة العراقية وأنتجت أبرز سماتها، العقود الحافلة بالمشاركة الإنسانية ومعاني الانتماء الحر للمكان ـ ولم يكن نهر الدم قد بدأ بالجريان بعد ـ وقد استنتجت شهرزاد، روح الرواية وشخصيتها المركزية، بعد زيارتها الأولى لشارع الرشيد " أن عالم الجمال والمأكولات اللذيذة في بغداد كان يصنعه اليهود والصابئة والمسيحيون والأرمن"، في تعبير حي عن نسيج المجتمع الذي لم يكن يعبر وقتئذ إلى ضفة الألفة والجمال لولا روح التعايش التي منحت مدينة مثل بغداد وشارعاً مثل شارع الرشيد صورتيهما الخالدتين: مدينة للحلم وشارعاً للحضارة والحياة.

اختارت (حفيد البي بي سي) أن توثّق سيرة شهرزاد ـ وقد ارتبطت بالإذاعة البريطانية لصلتها الدائمة بها فهي، بالنسبة لشهرزاد، مرصد تحولات العالم ـ عبر متابعتها طبيعة الحراك الاجتماعي على رقعة جغرافية ممتدة من الناصرية إلى كركوك، فالفتاة التي ولدت في الناصرية عندما كانت البيضة تباع بفلسين والطرق تضاء بالفوانيس، بعد أن بلغت بريطانيا، أكبر إمبراطورية في التاريخ، أوج عظمتها عام 1920، لأب هو أقدم سائق للقطار، سريعاً ما ستجد نفسها في عكد النصارى في بغداد، قريباً من محل جواد الساعاتي، أول مسلم امتهن بيع الساعات في شارع الرشيد، مثلما نشأت تحت ظل مفارقة تبدأ منذ ولادتها وتنمو وتتطوّر لتصبح سمة من سمات شخصيتها، بما يعزّز من حضور المفارقة ويسهم بتطوير مساراتها داخل الرواية، فشهرزاد التي تأخرت في النطق في صغرها "زوّرتها أمها شمسة ضريح السيد أحمد الرفاعي والسيد خضير وباقي سادة أرض ذي قار، فانحلّت عقدة لسانها، وتحوّلت بقدرة قادر من خرساء إلى لبلبان"، لتحكم المفارقة تحوّلات العمل الروائي وتنظم حركته، فهي لا تقف عند حدود الشخصية ولا تتحكم بمجريات حياتها فحسب بل تسهم إلى حد بعيد في توجيه العمل وهو يمضي من زمن إلى آخر، لتواصل الرواية عبر توثيق سير شخصياتها التقاط تفاصيل حياة عراقية حافلة لم يكن الحدث وحده مؤثراً في مجرياتها، بتحولاته التاريخية القاسية وظلاله الاجتماعية، بل عمدت لإضاءة سيرها من خلال تأريخها الحكائي، حيث يتحوّل العالم نفسه إلى حكاية واسعة متداخلة الأطراف، تجد الشخصية أوسع تمثيل لها بما تلتقطه وتعيد روايته من حكايات الآخرين، لتكون الشخصية، بذلك، نقطة التقاء وتقاطع، تلتقي عندها حيوات الآخرين وتتقاطع تجاربهم، حكايات تهيئ المساحة الأوسع للتعبير عن وقائع ساخرة تقارب بين شهرزاد وملكة بريطانيا العظمى " شهرزاد... مرتفعة جداً عن الأرض... بيتها أشبه بمحطة قطار... روحها أطول من روح بزون وحركتها أبطأ من سلحفاة ولكن مكرها أدهى من واوي عتيق... لديها ضمير نقي وحلم يتكرّر لا أحد يستطيع تفسيره من السامعين، وهو أنها ترى نفسها تحمل نفسها بنفسها على نفسها ولا تصل إلى أي مكان". مثلما يجد النسيج الحكائي في تاريخ السلعة وتحولاتها ما يؤشر لحظات زمنية فارقة لا تعتمد التحوّل التاريخي وحده لحظة فاصلة في حياة الشخصية وقوس تجاربها بل تستعين بلغة الإعلان وأساليب عرضه بما يمنح لغة الرواية ثراء مضافاً لا تتوقف معه عند اللغة الأدبية بمحدداتها ومسكوكات بلاغتها، بل تغذّي لغتها بمزيج من مصوغات التواصل اليومي " من صابون الهندية إلى صابون اللوكس الذي "تستعمله تسع من عشر من نجوم السينما" عاشت شهرزاد عصر الصوابين كلها"، تاريخ الأشياء في رواية ميسلون هادي يكتب تاريخ الناس، يحكي في رهافة وألم بعض ما عاشوه من مرارة وانكسار، ليرسم الشيء في حالي حضوره وغيابه سيرة الإنسان، تأريخه المطبوع على ورق الزمان، الأشياء ملأى بضجيج الذكريات الأخرس، ذلك ما قاله باشلار ـ أو شيئاً قريباً منه عدّلته الذاكرة ـ وهو ما تختصر الرواية معه عصوراً من التحوّل وهي تحكي سيرة شخصيتها وقد " رأت كل وسخ الدنيا من الروبية القادمة من الهند إلى العانة التي هتف لها العراقيون في الستينيات عاش الزعيم الذي زيد العانة فلس، ومن العانة إلى ورقة المئة دينار التي مسح بها زوجها ممتاز أنفه أيام الحصار ثم نفاها إلى سلة الزبالة وهو يقول إن هذه الورقة أصبحت أرخص من ورق الكلينكس وهي التي كانت تكفي لشراء بيت في الثلاثينيات"، لا تكتفي الرواية بتدوين رحلة شهرزاد مع (وسخ الدنيا) بل تمضي من خلالها للإشارة لانحدار عجيب هشّم الحياة العراقية وخلخل قيمها، انحدار يصعب اختصاره ويطول الحديث عنه، مثلما عاشت رحلة مع المقام العراقي بتنويعاته النغمية وتفصيلاته الدقيقة وهي تتابع مسيرة زوجها ممتاز قارئ المقام القادم من كركوك من لحظات الـتألق حتى نهايته "بستجياً في مقاهي عزاوي والعبخانة وفضوة عرب"، لتغزل الرواية في نسيجها وهي تدوّن رحلة شهرزاد الكثير من الحكايات والأمثال والنوادر والوقائع والدعابات التي شكّلت لعقود طويلة صورة شبه منسية للحياة العراقية في تحوّلاتها العنيفة، وفي استجاباتها الصامتة مرّة، والساخرة مرّات، مثلما تدوّن بالتقاطات ذكية تاريخ كل مدينة تمرّ بها، فلن تكون المدينة اسماً عابراً لمكان صامت لا ملامح له، إنما تحكي الرواية بما تلتقطه وتشير إليه تاريخ المدينة الخاص وتنتج رؤيتها للمكان الذي سيقدّم صورة مؤثرة أخرى في مشهد الحياة العراقية، ويشكل مفصلاً نابضاً من مفاصلها، وتفصيلاً مؤثراً في نسيج علاقاتها، راسمة لنفسها مساراً موسوعياً ما يزال يبرهن على ممكنات الفن الروائي وقدرته على الانفتاح والاتساع والشمول، مثلما يبرهن على قدرة الرواية العراقية على الارتقاء بموضوعها وتنويع معالجاتها، عبر غنى الروح الشعبي وثراء خزائنه، وصولاً لعبد الحليم، حفيد شهرزاد، في عمله رقيباً للمطبوعات، مؤمناً أن من واجب الرقباء الأمناء الأوفياء أن يهبّوا، على الدوام، لإجراء اللازم، متطامناً مع نفسه، واثقاً بأهمية ما يؤديه من عمل وبدوره في الحفاظ على السفينة من أجل أن لا تغرق في لجة البحر المتلاطم، ليمضي به أيمانه إلى درجة من التناقض والتضاد وهو يفكّر بالنظام نفسه وبآليات التحكم فيه، وصولاً للسخرية في لحظتها الأعمق التي تنبثق على نحو تلقائي مع دخوله في الممنوع وهو يحدّث نفسه عن الرئيس الذي لا يكف "عن التفكير بهذا الشعب لحظة واحدة حتى وإن دخل الحمّام أو فتح رجليه وتربّع من أجل التغوّط... ولكن ماذا لو سحب سيفون الحمّام فطغى ضجيجها العالي فوق أفكاره المخصصة للشعب؟".

مع عبد الحليم تفتح الرواية مساحة يحقق عالم الجدة فيها عمقاً إنسانياً، ويمنحها من الحيوية والرحابة ما يجعل صاحبها جزءاً من مشهد إنساني تركت وقائع الألم العراقية ظلالها الكثيفة عليه وهو يعيش حياته بعيداً عن مسؤولية الموقف والرأي، وقد ولد " ابناً لأم تؤمن بالسحر والجان والطلاسم، وأب حزبي يؤمن بالوحدة والحريّة والاشتراكية، لم تجعل منه متديناً ولا جعلت منه ملحداً..إنه في المنطقة الوسطى بين الجنة والنار"، وهي المنطقة التي دفعت به إلى هامش الحياة وهو يعيش مواجهته اليومية مع زميلي عمله، منار المعترضة على عمل الرقابة وسلوك أصحابها، المؤمنة بمقولة طاغور "إذا أنت أغلقت بابك دون الزيف والضلال امتنعت عنك الحقيقة أيضاً"، وهي تواجهه يومياً بمقولة جديدة، وبدر الذي يستعيد للتعبير عن نفسه والحديث عن أزمته مقولة حسب الشيخ جعفر " شمّرت عن عضدي وقلت أزحزح القفل العتيق، لم أدر أن الباب أقفل من وراء.. لم أدر إن كنت الحبيس أم الطليق؟"، معهما يعيش عبد الحليم تقابلاً يومياً ومواجهة مستمرة، وهو ينظر إلى نفسه في مراياهما ليستعيد سؤاله الصامت في كل مرّة بحثاً عن إجابات عسيرة، حتى اللحظة التي أجاز فيها مسرحية تتنبأ باغتيال الرئيس وهو ما تحقق ليلة عرضها مع محاولة اغتيال فاشلة وقعت بالفعل، ليجد نفسه في السجن وقد " دندلوا جسده من المروحة السقفية التي ظل معلّقاً فيها تسعة أشهر حتى قامت الحرب وعبرت الدبابات جسر الجمهورية باتجاه نصب الحريّة فهرب المجانين مع السجناء إلى الشوارع وقامت الدنيا ولم تقعد".

تبدو لحظة عبد الحليم الشخصية في صمتها وانغلاقها، في خوفها وترددها، لحظة (وطنية) تزحف نحو هوة من التناقض والتعارض والخراب، وقد حوّلت صاحبها، بقدرة قادر، من رقيب مؤتمن إلى نجم يكتب ما يستحق أن يروى من (مذكرات سجين سابق في أبي غريب)، مستفيداً من اهتمام العالم بحادثة تعذيب السجناء أيام رامسفيلد، وهو يواصل حكاية غربته داخل السجن:

" ـ هل تعرّضت للانتهاك؟

ـ نعم.

ـ كيف؟

ـ شي شبيه لما شاهدتموه في أبي غريب بعد الحرب.

ـ وماذا تتذكر أيضاً؟

ـ في عيد نوروز أخذ السجناء الإذن من المأمور للاحتفال به مدّة ساعة واحدة في إحدى الغرف.. وهناك رأيت التركماني والكردي والصابئي والإسلامي والشيوعي والآشوري والكلداني يرددون نشيداً يقرؤونه من ورقة. كنت غريباً عنهم، وكانوا غرباء عني. بل حتى أسماؤهم كانت تبدو لي غاية في الغرابة"، فهل يقدّم عبد الحليم عبر حديثه عن غربته داخل السجن، بعد أن عاش الغربة خارجه، وجهاً آخر للتعايش في العراق، بعد أن آلت الأمور وتبدّلت الأحوال، هذا التعايش الذي لا يحضر إلا بإذن رسمي من مأمور السجن، ولا يوجد فضاء أوسع من فضاء الزنزانة لممارسته والتعبير عنه، مقابل الوجه الذي عاشت جدته انبهاره وهي ترى أثره على الحياة العراقية قبل ما يقارب القرن من الزمان؟

إنها الغرابة التي يقابلها سلوك الجدة في احتفائها بالحياة، وفي قدرتها على التقاط التناقض والتضاد محوّلة كل ما يصادفها من وقائع وأحداث إلى سخرية لاذعة تهيئ لها فرصة مضافة للاشتباك مع الحدث، فعبر السخرية تعمل على فهم ما يحدث ـ والسخرية شكل لاذع من أشكال الفهم والمواجهة ـ ثم بما تسعى إليه بروحها المرحة من خلخلة ثوابته وتجريده من أركانه التي لم تنشأ إلا بالممانعة والترفع والقسوة والاحتقار، لتنزل به إلى أرض المفارقة والتناقض، أرض التساؤل والاعتراض، حيث تعيش الشخصية أعلى لحظات الكشف وهي تمارس سخريتها من نفسها ومن العالم، فتتحرّك طليقة لإعادة بناء العلاقة بينهما وقد تخففت من أعبائها عبر فهم السخرية نفسه وهو يكشف وجهاً للعالم لم يكن مدركاً من قبل.

لا تتحدد السخرية في رواية ميسلون هادي بشخصية الجدة وحدها، على الرغم من الجرأة والألمعية وروح المرح التي ميّزتها منذ سنواتها الأولى، بل تمتد للشخصيات الأخرى، ولبنيتي الحدث واللغة وهما تمنحان حقل ميسلون الروائي إضافة نوعية تخرج فيها من حدود عالمها إلى تخوم جديدة مستفيدة مما أسسته في أعمال روائية سابقة مثل ( العيون السود ـ 2002)، و( نبوءة فرعون ـ 2007)، و(شاي العروس ـ 2010)، فما زالت المرأة محافظة على موقعها في العالم الروائي، وما زالت قضيتها تحقق أهمية مركزية وهي تحيا ظروفاً تاريخية ضاغطة، مثلما بقيت موضوعة (الغائب) حاضرة في العمل الجديد، وهي الموضوعة التي أحكمت عالم ميسلون هادي ووجهت مساراته منذ روايتها الأولى ( العالم ناقصاً واحد ـ 1996)، لكن الجديد هنا هو طبيعة النسج وآلية التركيب التي منحت الروائية، مثلما منحت قارئها، مساحة لتأمل الحياة العراقية وتلمس مذاقاتها عبر لغة روائية طيّعة أفادت إلى درجة عالية من قدرة المحكية العراقيّة، بتنوعها وثراء لهجاتها، وبانفتاحها على الخبر الإذاعي والمادة الصحفية والتقارير الرسمية ولغة الرسائل والإعلان، فضلاً عن آليات التسمية وهي تبدأ مع شهرزاد وقد أحكمتها المفارقة ابتداءً من الاسم نفسه، فقد تنازعت تسميتها رغبات وإرادات ابتداء من ذكرى الجد في ثورة العشرين بعد أيام من ولادة ابنته شمسة لبكرها شهرزاد، ففي الوقت الذي كان الجد يثور ويهزج ضد الانكليز، أعجبت شمسة التي رأت مصباحاً كهربائياً لأول مرّة في حياتها، بمخترعات المحتلين، وأرادت أن تسمي مولودتها مصباحاً لولا تدخل زوجها الذي غيّر الاسم إلى غزال بعد سماعه قصيدة (يا غزال الكرخ) لمحمد سعيد الحبوبي، وبقي اسم المولودة غزالاً في سجلات الأحوال المدنية وسجلات المدارس والمحاكم الشخصية، لكنه تحوّل في البيت إلى شهرزاد تيمناً باسم جدتها الأولى، أول امرأة تتذوّق البيرة في العراق، لتنتهي لوثة التسمية بأبنائها الذكور الثلاثة شعيط و معيط وجرار الخيط بعد سبع بنات، وصولاً لعتبات الكتاب، حيث تلتحم جماليات الصياغة والأداء من مقولات الرواية إلى أركان القول فيها، من عنوانات الفصول الأربعة والعشرين وقد فتحت، لغرابتها، باباً للسخرية وأمّنت صلة مع المحكيات الشعبية بنوادرها مثل فحل التوت، وبالمشمش، والتمساح يطير، وحية وبطنج، ولحية القاضي، مروراً بعتبتي الإهداء والاقتباس بقيمتيهما التداوليتين، إذ تستعين المؤلفة بـ (كليلة ودمنة) للتعبير عن وجهي روايتها: الظاهر والباطن، في لهوها وجدها، "ظاهره لهو للخواص والعوام وباطنه رياضة للعقول الخاصة"، حتى إهداء الرواية الموجّه للناقد التشكيلي سهيل سامي نادر الذي لم يكن بعيداً عن أحداث الرواية وتفصيلات وقائعها، وإن كان حاضرا في العمل حضور الإشارة والتلميح، لا سيما في المواقف التي تذهب للحديث عن مشكلة العلم العراقي بعد 2003 وما أثارته من جدل لم ينته حتى الآن، وكان سهيل قد قدّم فيها كلمة مؤثرة، وصولاً للغلاف الذي لم تركن الروائية فيه لمقترحات دار النشر على الرغم مما يميّزها من جماليات تنفيذ وتصميم، بل اختارت أن تعود، في انتباهة دالة، إلى أسلوب سابق في إنتاج أغلفة الروايات العربية، والمصرية منها على الخصوص، برسومها التشخيصية وجمالياتها التي تعنى بكشف المحتوى واستحضار الشخصيات، كما لو كانت ترسل روايتها لمجرى زمني مغاير، أو تستعيدها، بقدرة الخيال، منه.